عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
43
اللباب في علوم الكتاب
بحمده » « 1 » ، « وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ » « 2 » . والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع ما يحدثه اللّه تعالى فيها من غير امتناع أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود « 3 » . فإن قيل : هذا التأويل يبطله قوله تعالى وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فإن السجود بالمعنى المذكور عام في كل الناس ، فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصا من غير فائدة . فالجواب من وجوه : الأول : أن السجود بالمعنى المذكور وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تكبر وترك السجود في الظاهر ، فهذا الشخص ، وإن كان ساجدا بذاته لا يكون ساجدا بظاهره ، وأما المؤمن فإن ساجد « 4 » بذاته وبظاهره ، فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر . وثانيها : أن نقطع قوله : « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » عما قبله ، ثم فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن تقدير الآية : وللّه يسجد من في السماوات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد ، والثاني بمعنى العبادة ، وإنما فعلنا ذلك لقيام الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعا . الثاني : أن يكون قوله : « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب ، لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله : « حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ » . والثالث : أن يبالغ في تكثير الحقوق بالعذاب ، فيعطف « كثير » على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب . وثالثها : أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول : المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة ، وفي حق الجمادات الانقياد ( ومن ينكر ذلك فيقول : إن اللّه تكلم بهذه اللفظة مرتين ، فعنى بها في حق العقلاء الطاعة ، وفي حق الجمادات الانقياد « 5 » ) « 6 » فإن قيل : قوله : « وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » عام فيدخل فيه الناس ، فلم قال « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » مرة أخرى ؟ فالجواب : لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجد طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع من ذلك ، وهم الذين حق عليهم العذاب « 7 » وقال القفال : السجود هاهنا هو الخضوع والتذلل ،
--> ( 1 ) [ الإسراء : 44 ] . ( 2 ) من قوله تعالى : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 79 ] . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 20 . ( 4 ) في ب : ساجدا . وهو تحريف . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 23 / 20 . ( 6 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 20 - 21 .